مينانيوزواير، مصر: في الذكرى الرابعة عشرة لرحيل السيدة مرفت أحمد يحيى عام 2012، يعود اسمها لا بوصفه سيرة شخصية عابرة، إنما كحكاية امتدادٍ هادئ بين أجيال لم يلتقِ بعضها ببعض، لكنها التقت في الوعي والكرامة والذاكرة.

لم تعرف مرفت جدّها يحيى باشا إبراهيم، إذ رحل قبل أن يتزوج والدها. كما أن والدها أحمد بك يحيى لم يمتد به العمر ليرى زواجها أو أبناءها، ومع ذلك، لم يكن أيٌّ منهما غائبًا عن بيتها يوماً. فقد حملتهما معها في وجدانها، واستحضرت سيرتهما كما لو كانا جزءًا حيًّا من تفاصيل حياتها اليومية.
كانت تتحدث عن يحيى باشا إبراهيم باعتباره رمزًا للفكر والمكانة والمسؤولية، وتستحضر عن والدها أحمد بك يحيى صفاته الإنسانية الهادئة، ورصانته، واعتداده بنفسه دون تكلف، لم تكن تروي سيرة رجلين من الماضي فحسب، وإنما كانت تنقل لأبنائها منظومة قيم كاملة.
لم يكن ذلك نقلاً للتاريخ فقط، بل إعادة إحياء له، كانت تحتفظ بالرسائل القديمة، وبالدفاتر التي تضم أفكاراً وملاحظات، وبالحكايات التي تتكرر على مائدة الطعام وفي لحظات المساء، لم تكن تلك القصص مجرد سرد عائلي، بل كانت درساً في الانتماء والهوية.
وهكذا تعلّم الأبناء أن يحبوا جدًا لم يروه، وأن يقدّروا رجالاً لم يعيشوا زمنهم، وأن يفهموا أن المجد الحقيقي ليس في الأسماء وحدها، بل في القيم التي تترك أثرًا.
حملت في شخصيتها سمات ورثتها من يحيى باشا إبراهيم وأحمد بك يحيى: الكرامة، الاعتداد بالنفس، الصدق، الرقي، والقدرة على إيجاد السعادة والرضا في التفاصيل الصغيرة، ورغم أنها لم تُتح لها سنوات طويلة مع والدها، إلا أن أثره ظل عميقاً في تكوينها، فحوّلته إلى سلوك يومي غرسته في أبنائها.
من الخارج، بدت امرأة بسيطة اختارت أن تبقى في بيتها لتربية أبنائها، لكن من الداخل، كانت مؤسسة قائمة بذاتها. كانت مدرسة خاصة، ومعلمة صامتة، وقارئة دائمة، وصانعة وعي يومي، لم تحتج إلى منصة عامة، لأن منصتها كانت بيتها.
في زمن كانت فيه الأمومة تُختزل أحياناً في الرعاية اليومية، أعادت مرفت تعريفها بوصفها مشروعاً تربوياً طويل الأمد، لم تكن تربي أبناءها فقط، بل كانت تبني فيهم شعوراً بالهوية، وترسخ فيهم احترام المعرفة، وتغرس فيهم الاعتزاز بالأصل دون استعلاء.
كانت تدرك أن المجد لا يُورّث بالاسم وحده، بل بالقيم.
رحلت في العام 2012، لكن أثرها لم يرحل، فالأفكار التي زرعتها ما زالت حيّة في سلوك أبنائها، وفي طريقة حديثهم، وفي نظرتهم للعالم، وهكذا يتحقق الامتداد الحقيقي في الشخصية التي تتشكل جيلاً بعد جيل.
في ذكرى رحيلها، لا يُستعاد الحزن بقدر ما يُستعاد الامتنان، لأن بعض الناس لا يتركون وراءهم ضجيجاً، بل يتركون نظاماً أخلاقياً كاملاً يمشي على قدمين.
وتعد مرفت أحمد يحيى واحدة من هؤلاء.
